كيف أصبح أبناء القبائل شركاء في مسيرة التنمية؟

لا يقتصر الاحتفاء باليوم الوطني على استذكار توحيد الأرض تحت راية واحدة، بل يمتد إلى استحضار قصة أعمق، كيف تحول مجتمع متعدد الولاءات والانتماءات المحلية إلى نسيج وطني واحد.
ومن أبرز فصول هذا التحول ما شهده أبناء القبائل والبادية تحديدًا، الذين انتقلوا من حياة الترحال إلى الاستقرار، ومن الاستقرار إلى شراكة فعلية في بناء مؤسسات الدولة ومسيرة تنميتها.
فمنذ الأيام الأولى لمسيرة التوحيد، أدرك الملك عبدالعزيز أن استقرار الدولة الناشئة مرهون باستقرار مجتمعها، فكان مشروع توطين القبائل عبر إنشاء الهجر أحد أهم أدوات هذا التحول، قبل أن يتوسع لاحقًا ليشمل التعليم والصحة والمشاركة المؤسسية في عهود الملوك اللاحقين.
وتستعيد أستاذة التاريخ بجامعة الملك سعود، د. فاطمة بنت حسين الفردان، في تصريح خاص لـ”أخبار24″، فصلًا أقل حضورًا في الذاكرة الجمعية من قصة التوحيد، مشروع توطين أبناء القبائل والبادية الذي أطلقه الملك عبدالعزيز عبر إنشاء الهجر، بدءًا من هجرة الأرطاوية عام 1330هـ/1912م، وصولًا إلى ما يزيد على 170 هجرة بحسب بعض التقديرات.
وترى الفردان أن هذا المشروع لم يكن إسكانًا للبادية فحسب، بل ركيزة لتحول اجتماعي واقتصادي عميق، رافقه إرساء الأمن وتوحيد السلطة السياسية التي مهدت لاستقرار المجتمع بأكمله.
وتتبع الفردان في قراءتها كيف تحولت مشاركة أبناء القبائل من الانخراط في مراحل التوحيد نفسها إلى الحضور في مؤسسات الأمن والجيش والإدارة، وصولًا إلى الاستفادة من التعليم والصحة والطرق في عهود الملوك اللاحقين.
وتخلص إلى أن بناء الدولة الحديثة لم يقم على إلغاء القبيلة كمكون اجتماعي، بل على استيعابها ضمن هوية وطنية أوسع تحولت فيها المواطنة إلى الإطار الجامع لأبناء القبائل والقرى والمدن جميعًا.
التوطين.. مشروع اجتماعي لبناء الدولة
وأوضحت الفردان أن الملك عبدالعزيز أدرك مبكرًا حقيقة بسيطة، لا دولة مستقرة بلا مجتمع مستقر، وأن حياة الترحال التي عاشتها قطاعات واسعة من سكان الجزيرة العربية لم تكن لتتغير بأمر يُصدر، بل باستقرار حقيقي يُبنى – ومن هذا الإدراك، وُلد مشروع الهجر.
وأضافت أن المشروع بدأ باكرًا، عام 1330هـ/1912م، بإنشاء هجرة الأرطاوية من جماعة من قبيلتي حرب ومطير، وتوسع لاحقًا حتى بلغ – وفق بعض التقديرات – 170 هجرة في عهد الملك عبدالعزيز، فيما ترفعه مصادر أخرى إلى ما يتجاوز 200 هجرة، مشيرة إلى أن مواقع كثيرًا منها اختير قرب مصادر المياه تشجيعًا على الزراعة والاستقرار.
وبيّنت الفردان أن الهجر لم تكن مجرد سكن بديل عن الترحال، بل نواة تحول اجتماعي واقتصادي حقيقي، بيوت ومساجد ساعدت الدولة على بنائها، وطلبة علم ومرشدون أُرسلوا إليها، ونشاط زراعي حظي بالتشجيع، حتى تحولت تجمعات كثيرة منها مع الوقت إلى بلدات ومدن كاملة الخدمات.
الأمن أساس الاستقرار
وقالت الفردان إنه لا يمكن فهم نجاح التوطين بمعزل عن التحول الأكبر، وهو إرساء الملك عبدالعزيز الأمن وتوحيد السلطة السياسية، موضحة أن الغزوات والصراعات القبلية، التي فرضتها طبيعة الجزيرة وتعدد قواها المحلية، لم تكن لتسمح باستقرار حقيقي.
وأضافت أنه مع قيام الدولة المركزية وتطبيق النظام، تغير المشهد بالكامل، من حماية موزعة بين وحدات قبلية متعددة، إلى دولة تتولى الأمن والقضاء والإدارة، وهو ما رافقه تنظيم فعلي لأجهزة الأمن والقضاء وإرسال طلبة العلم إلى قرى البادية وهجرها.
من أبناء القبائل إلى شركاء في التوحيد والبناء
وأكدت الفردان أن الأهم في هذه التجربة أن الملك عبدالعزيز لم ينظر لأبناء القبائل بوصفهم فئة يجب توطينها فقط، بل جعلهم جزء من مشروع الدولة نفسه، لافتة إلى أن أبناء البادية والحاضرة شاركوا في مراحل التوحيد، وانضمت جماعات قبلية إلى قوات الملك عبدالعزيز في أكثر من مرحلة.
وأشارت إلى أن هذه المشاركة تحولت تدريجيًا، مع قيام مؤسسات الدولة، من ميدان التوحيد إلى ميادين الأمن والجيش والإدارة والإنتاج، معتبرة أن هذا الانتقال – من المشاركة في التوحيد إلى المشاركة في البناء – هو جوهر التجربة.
التنمية.. المرحلة الثانية من الاندماج
وقالت الفردان إنه بعد وفاة الملك عبدالعزيز عام 1373هـ/1953م، واصل أبناؤه المسيرة بأدوات أوسع؛ فإذا كانت الهجر والأمن أدوات المرحلة الأولى، أصبح التعليم والصحة والطرق والوظيفة العامة أدوات المرحلة الثانية، ضاربة مثالاً بالمدارس المتنقلة لسكان البادية في عهد الملك فيصل، إلى جانب التوسع الكبير في التعليم ومحو الأمية.
ولفتت إلى أنه مع توسع المدن والجامعات والأجهزة الحكومية، أصبح أبناء القبائل حاضرين – أسوة بأبناء القرى والمدن – في كل ميادين العمل والتعليم والإدارة والاقتصاد، وهو ما تصفه بانتقال التوطين من استقرار المكان إلى اندماج تنموي ومؤسسي كامل.
تحوّل دون إلغاء الهوية
وشددت الفردان على أن من أكثر ما يميز التجربة السعودية أن بناء الدولة الحديثة لم يقم على إلغاء القبيلة، بل على استيعابها ضمن هوية وطنية أوسع، موضحة أن الروابط القبلية بقيت جزءًا من النسيج الاجتماعي، فيما أصبحت الدولة المرجعية الجامعة، والمواطنة الإطار الذي التقى فيه أبناء القبائل والقرى والمدن جميعًا.
ورأت أن هذا ربما يفسر سر نجاح التجربة، إذ لم يكن التحول قطيعة مع المجتمع، بل استيعابًا لمكوناته وإعادة توجيه لطاقاتها، وصولًا إلى توسيع فرص التعليم والعمل أمام الأجيال اللاحقة.
من وحدة الأرض إلى وحدة المجتمع
وخلصت الفردان إلى أن قراءة مشروع التوطين في سياق اليوم الوطني تكشف أن توحيد المملكة لم يكن حدثًا سياسيًا وعسكريًا انتهى بإعلان الدولة عام 1351هـ/1932م، بل بداية مسار أطول لبناء مجتمع وطني كامل.
وقالت إن الملك عبدالعزيز أسس الأمن والاستقرار، وأنشأ الهجر، وأشرك أبناء البادية والحاضرة في التوحيد والبناء، وجاء أبناؤه الملوك من بعده ليواصلوا المسيرة عبر التعليم والصحة والطرق والإسكان والتنمية، حتى صارت مؤسسات الدولة حاضرة في كل منطقة من مناطق المملكة.
وختمت الفردان بأن قصة التوطين ليست قصة انتقال من البادية إلى المدينة فحسب، بل قصة انتقال من الاستقرار إلى المشاركة، ومن المشاركة إلى التنمية، معتبرة أن هذه إحدى أعمق الدلالات التي تُستحضر في ذكرى اليوم الوطني، أن بناء المملكة كان بناءً للأرض والإنسان معًا.




