منوعات

السكري والضغط.. تهديد صحي صامت يتصاعد بين النساء

تتصدر الأمراض المزمنة، وفي مقدمتها السكري وضغط الدم، قائمة التحديات الصحية التي تواجه المجتمع السعودي، وتشير أحدث نشرة لإحصاءات الحالة الصحية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء لعام 2024 إلى أن نحو 18.95% من السكان في عمر 15 سنة فأكثر يعانون من مرض مزمن واحد على الأقل، وذلك استنادًا إلى المسح الوطني للصحة ومسح صحة المرأة والطفل.

 

وبينما أظهرت النشرة نفسها أن أكثر من 97% من السكان يصفون حالتهم الصحية العامة بأنها جيدة أو أعلى، كشفت في الوقت ذاته عن فارق بين الجنسين في هذا التقييم الذاتي، حيث جاءت تقديرات الرجال لصحتهم أعلى من تقديرات النساء.

وفي قلب هذا المشهد الصحي، يحتل السكري وضغط الدم موقع الصدارة بين الأمراض المزمنة الأكثر انتشارًا، ولكل منهما قصة تطور مختلفة، وتأثير متفاوت بين الرجال والنساء، فضلًا عن عوامل خطورة خاصة بالمرأة ترتبط بتكوينها الحيوي ومراحل حياتها المختلفة، من سن الإنجاب إلى الحمل فسن اليأس.

ولا يقتصر السكري على صورة واحدة؛ فالنوع الأول ينتج عن توقف البنكرياس عن إفراز الأنسولين أو نقصه بشكل كبير، ما يجعل المريض معتمدًا على جرعات خارجية مدى الحياة، بينما يرتبط النوع الثاني، وهو الأكثر شيوعًا بين السعوديات، بمقاومة الجسم لتأثير الأنسولين مع عدم كفاية ما يُفرز منه، إلى جانب سكري الحمل الذي يظهر لأول مرة أثناء فترة الحمل وقد يستمر أو يزول بعد الولادة.

وإذا ترك المرض دون ضبط دقيق لمستويات السكر، فإنه يفتح الباب تدريجيًا أمام مضاعفات تطال القلب والأوعية الدموية، وتضعف البصر، وتصيب الكلى والأعصاب، وهي مضاعفات تتراكم بصمت قبل أن تظهر أعراضها. والمقلق في الصورة السعودية أن نسبة لا يستهان بها من المصابين، تقارب 43.6% وفق المسح الوطني للصحة، لا يعلمون أصلًا أنهم مصابون بالمرض، في حين يحافظ 31.6% فقط من المصابين على مستويات سكر مضبوطة عبر الالتزام بالعلاج، وهي فجوة توعوية وعلاجية لا تقل خطورة عن المرض نفسه.

حين يتفاقم المرض.. الكلى في قلب المعادلة

يشكل السكري وضغط الدم، بحسب ما توثقه وزارة الصحة، السببين الرئيسين وراء الإصابة بالفشل الكلوي في المملكة، إلى جانب أسباب أخرى كالتهابات الكلى المزمنة وانسداد الشرايين الكلوية. وتكشف بيانات رسمية لوزارة الصحة عن حجم هذا العبء على المنظومة الصحية؛ إذ بلغ عدد مرضى الغسيل الكلوي الدموي على مستوى المملكة أكثر من 15 ألف مريض.

ويتلقى نحو 10 آلاف منهم الخدمة في مرافق وزارة الصحة وحدها، عبر أكثر من 120 مركزًا متخصصًا للغسيل الكلوي، إلى جانب ما يزيد على 1500 مريض يعتمدون على الغسيل البريتوني، وأكثر من 8000 مريض آخرين قيد المتابعة بعد زراعة الكلى. وهذه الأرقام، على الرغم من أنها لا تفصل بين أسباب الفشل الكلوي بدقة، تضع السكري وضغط الدم غير المنضبطين في صدارة العوامل التي تدفع آلاف المرضى سنويًا نحو هذا المسار العلاجي المكلف والمرهق.

ضغط الدم.. المرض الصامت الذي لا يُشعر بأعراضه

يُعرف ارتفاع ضغط الدم طبيًا بـ”المرض الصامت” لأنه غالبًا لا يصاحبه أعراض واضحة حتى مراحل متقدمة، وهو ما يجعل رصده مرهونًا بالفحص الدوري أكثر من الشكوى الذاتية؛ وبحسب بيانات وزارة الصحة المنشورة في صفحاتها الرسمية بمناسبة اليوم العالمي لضغط الدم، تبلغ نسبة الإصابة بين السكان 15.1%، تتوزع بين 17.7% للرجال و12.5% للنساء.

وتزداد الصورة تعقيدًا عند النظر إلى مرحلة ما قبل ارتفاع ضغط الدم، حيث تصل نسبة الرجال في هذه المرحلة إلى 46.5%، أي نحو 3.04 مليون رجل، بينما تبلغ النسبة بين النساء 34.3%، أي ما يقارب 2.18 مليون امرأة، وهو رقم يعني أن أكثر من ثلث النساء في المملكة يقفن على حافة الإصابة دون أن يصل ضغطهن بعد إلى المستوى المرضي الكامل.

وكما هو الحال مع السكري، يتصاعد معدل الإصابة بضغط الدم مع تقدم العمر بشكل حاد، فبعد أن كانت النسبة في حدود 3.2% بين الفئة العمرية من 15 إلى 24 عامًا، ترتفع إلى 51.2% بين من تتراوح أعمارهن بين 55 و64 عامًا، لتصل إلى ما بين 65% و70% بين من بلغن 65 عامًا فأكثر.

وتكشف هذه الأرقام أن السكري وضغط الدم ليسا مجرد مرضين منتشرين في المملكة، بل حالتان تتقاطعان بشكل خاص مع المرأة من خلال عوامل بيولوجية وهرمونية ومراحل حياتية لا يمر بها الرجل. فمن السمنة إلى تكيس المبايض، ومن سكري الحمل إلى سن اليأس، تبدو المرأة السعودية في مواجهة مضاعفة لهذين الخطرين الصحيين، وهو ما يعزز الحاجة إلى الفحص الدوري المبكر، والمتابعة الطبية المستمرة، بوصفها السبيل الأكثر فعالية لضبط هذه المعدلات المتصاعدة قبل أن تتحول من مرحلة الخطر إلى مرحلة المرض المكتمل.

عوامل تضاعف خطر على المرأة

لا يمكن قراءة أرقام السكري وضغط الدم بين النساء بمعزل عن مجموعة من العوامل التي تضع المرأة في موضع أكثر عرضة للخطر مقارنة بالرجل، وعلى رأسها السمنة؛ فوفق بيانات منظمة الصحة العالمية، تبلغ نسبة انتشار السمنة بين النساء في المملكة 75%، مقابل 70% بين الرجال، وهي فجوة تضع المرأة في مرمى عوامل الخطر المرتبطة بالسكري وضغط الدم على حد سواء، باعتبار السمنة من أهم المحركات المشتركة لكلا المرضين.

وتتفاوت هذه النسب بين الدراسات بحسب المعيار المعتمد؛ فبيانات الهيئة العامة للإحصاء لعام 2023 تسجل نسبة السمنة بمفهومها الدقيق المرتبط بمؤشر كتلة الجسم عند 23.7% بين البالغين بواقع متقارب بين الجنسين، في حين ترتفع النسبة كثيرًا عند احتساب “السمنة وزيادة الوزن” معًا، وهو ما يفسر التفاوت الكبير بين الأرقام المتداولة.

وتعود هذه الفجوة في الوزن، بحسب مختصين، إلى تضافر عدة عوامل، من بينها الإكثار من الوجبات السريعة، وتغير نمط الغذاء التقليدي، والاستعداد الوراثي، إلى جانب انخفاض معدلات النشاط البدني بشكل عام، والذي يبدو أكثر وضوحًا لدى النساء تحديدًا؛ إذ تكشف أحدث نشرة لإحصاءات النشاط البدني الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء أن 66.5% فقط من الرجال البالغين يمارسون النشاط البدني لمدة 150 دقيقة أسبوعيًا أو أكثر، وهو الحد الأدنى الموصى به صحيًا، مقابل 43.1% فقط من النساء، بمعدل عام للسكان يبلغ 59.1%؛ وهذا الفارق بين الجنسين في مستوى الحركة اليومية يضاعف من تأثير السمنة والعوامل الغذائية على صحة المرأة، ويجعلها أكثر عرضة لمضاعفات السكري وضغط الدم على المدى الطويل.

وتضيف طبيعة المرأة الهرمونية طبقة إضافية من التعقيد؛ فمتلازمة تكيس المبايض، التي تصيب بحسب استشاريين نقلت عنهم صحيفة المدينة ما بين 15% و20% من النساء في المملكة والخليج، ترتبط ارتباطًا مباشرًا بمقاومة الأنسولين، وهو ما يرفع احتمالية الإصابة بالسكري، كما يرتبط التكيس بزيادة خطر ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكوليسترول، وتعرض أكبر لمخاطر السكتة الدماغية مستقبلًا.

ويشكل الحمل محطة أخرى مفصلية في هذا السياق؛ فقد كشفت دراسة نشرتها المجلة الطبية السعودية عام 2020 أن نسبة سكري الحمل بين السعوديات الحوامل تتراوح بين 12% و18%، وهي من أعلى النسب في المنطقة. واللافت أن دراسة أجراها باحثون في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث عام 2021 أظهرت أن نحو 60% من الأمهات السعوديات المصابات بسكري الحمل يؤخرن بدء العلاج بالأنسولين لمدة تقارب أسبوعين، وذلك بدافع مخاوف اجتماعية وثقافية تجاه هذا النوع من العلاج، وهو تأخير قد يحمل تبعات على صحة الأم والجنين. وتضاف إلى ذلك مرحلة سن اليأس، التي تشير الأدلة الطبية إلى أنها ترفع احتمالية الإصابة بارتفاع ضغط الدم لدى المرأة، بفعل التغيرات الهرمونية التي تطرأ على الجسم في هذه المرحلة العمرية.

الكلفة الاقتصادية لمرض صامت

لا تقتصر فاتورة السكري على الصحة وحدها، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني بشكل مباشر؛ إذ قدّر الاتحاد الدولي للسكري تكلفة علاج المرض في المملكة عام 2017 بنحو 24 مليار ريال، مع توقعات بأن تقفز هذه الكلفة إلى 40 مليار ريال بحلول عام 2045 إذا استمر معدل الانتشار الحالي.

وتشير بيانات سابقة إلى أن الإنفاق على الرعاية الصحية في المملكة بلغ نحو 35 مليار ريال في عام واحد، خُصص منها ما يقارب 3.75 مليار ريال لعلاج مرضى السكري وحدهم، بمتوسط إنفاق سنوي للمريض الواحد يصل إلى نحو 35 ألف ريال لمن هم دون سن الخامسة عشرة، مقابل نحو 5400 ريال لمن تجاوزوا الستين، وهو فارق يعكس اختلاف احتياجات العلاج والمتابعة بين الفئات العمرية.

وتكشف هذه الأرقام مجتمعة أن السكري وضغط الدم ليسا مجرد مرضين منتشرين في المملكة، بل حالتان تتقاطعان بشكل خاص مع المرأة من خلال عوامل بيولوجية وهرمونية ومراحل حياتية لا يمر بها الرجل، وتتفاقمان بصمت حتى تصلان إلى مضاعفات أكثر خطورة كالفشل الكلوي، أو تتحولان إلى عبء اقتصادي متصاعد على الفرد والدولة معًا.

فمن السمنة إلى تكيس المبايض، ومن سكري الحمل إلى سن اليأس، تبدو المرأة السعودية في مواجهة مضاعفة لهذين الخطرين الصحيين، وهو ما يعزز الحاجة إلى الفحص الدوري المبكر، والمتابعة الطبية المستمرة، بوصفها السبيل الأكثر فعالية لضبط هذه المعدلات المتصاعدة قبل أن تتحول من مرحلة الخطر إلى مرحلة المرض المكتمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

يرجى تعطيل أداة حظر الإعلانات لدعم موقعنا ومساعدتنا على الاستمرار 

Powered By
Best Wordpress Adblock Detecting Plugin | CHP Adblock