لائحة الموارد البشرية.. أعادت تشكيل الوظيفة الحكومية بالمملكة

تمثل اللائحة التنفيذية للموارد البشرية في الخدمة المدنية واحدة من أبرز التحولات التنظيمية التي شهدها القطاع الحكومي في المملكة خلال السنوات الأخيرة، إذ جاءت لتطوير بيئة العمل الحكومية وإعادة صياغة مفهوم الوظيفة العامة بما يتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
ولم تعد الوظيفة الحكومية تعتمد فقط على الأقدمية وطول سنوات الخدمة، بل أصبحت ترتكز على معايير أكثر حداثة تقوم على الكفاءة والإنتاجية وقياس الأداء والتطوير المهني المستمر، في إطار توجه الدولة نحو بناء جهاز إداري أكثر مرونة واحترافية وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتقنية المتسارعة.
كما أسهمت اللائحة في تحديث الأنظمة والإجراءات الوظيفية داخل الجهات الحكومية، عبر تنظيم التوظيف والترقيات والإجازات والتقييم الوظيفي والتدريب والتطوير، بما يعزز الشفافية ويرفع جودة الخدمات الحكومية ويحسن كفاءة الموارد البشرية في القطاع العام.
وتعكس اللائحة توجه المملكة نحو التحول من الإدارة التقليدية إلى الإدارة الحديثة القائمة على الحوكمة وتمكين الكفاءات وتحفيز الابتكار، بما يسهم في رفع تنافسية الجهاز الحكومي السعودي على المستويين الإقليمي والدولي.
نبذة عن اللائحة التنفيذية للموارد البشرية
جاء إصدار اللائحة التنفيذية للموارد البشرية في الخدمة المدنية استجابة للحاجة إلى تحديث نظام الخدمة المدنية القديم الذي ظل معمولًا به لعقود طويلة، ولم يعد قادرًا على مواكبة التطورات الحديثة في بيئة العمل الحكومي ومتطلبات الإدارة المعاصرة.
كما فرضت التحولات الاقتصادية والتقنية، إلى جانب مستهدفات رؤية السعودية 2030، ضرورة إعادة بناء منظومة الموارد البشرية الحكومية بما يحقق رفع كفاءة الأداء، وتحسين جودة الخدمات، واستقطاب الكفاءات الوطنية، وتعزيز بيئة العمل الحديثة.
ما الذي تنظمه اللائحة؟
تنظم اللائحة العلاقة الوظيفية الكاملة بين الموظف الحكومي والجهة التي يعمل بها، بدءًا من التوظيف والتعيين، مرورًا بالترقيات والتقييم والتدريب والإجازات، وصولًا إلى إنهاء الخدمة والتقاعد.
كما تحدد اللائحة حقوق الموظف وواجباته، وآليات تقييم الأداء، والعقوبات التأديبية، والأنظمة المتعلقة بساعات العمل والعمل المرن والعمل عن بُعد، إضافة إلى تنظيم بيئة العمل داخل الجهات الحكومية.
وعالجت اللائحة العديد من الإشكاليات التي كانت تواجه القطاع الحكومي، أبرزها ضعف الربط بين الأداء والترقية، وغياب المعايير الواضحة للتوظيف، وتفاوت الإجراءات بين الجهات الحكومية، وضعف الحراك الوظيفي، إضافة إلى محدودية أدوات تقييم الأداء وضعف المرونة الإدارية.
كما هدفت إلى معالجة البيروقراطية الإدارية التقليدية، وتقليل الاعتماد على الإجراءات الورقية، وتعزيز التحول الرقمي في إدارة الموارد البشرية الحكومية.
الجهة المُصدِرة للائحة وسنة إصدارها
صدرت اللائحة التنفيذية للموارد البشرية في الخدمة المدنية عن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، بموجب قرارات تنظيمية معتمدة من مجلس الوزراء، فيما تتولى الوزارة الإشراف على تطبيق أحكام اللائحة ومتابعة التزام الجهات الحكومية بها.
كما تعمل الوزارة على تحديث اللائحة بشكل مستمر لمواكبة التطورات الإدارية والتنظيمية والتقنية داخل القطاع الحكومي.
وصدر نظام الموارد البشرية في الخدمة المدنية بالمرسوم الملكي رقم (م/43) بتاريخ 2 / 7 / 1440هـ الموافق لعام 2019م، فيما صدرت لائحته التنفيذية لاحقًا، مع إدخال تحديثات وتعديلات متتابعة خلال الأعوام الأخيرة، خاصة في عام 2023، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 والتحول الرقمي الحكومي.
الهدف من اللائحة وعلى مَن تُطبق؟
تهدف اللائحة إلى بناء منظومة حكومية حديثة تعتمد على الكفاءة والإنتاجية والعدالة الوظيفية، عبر تحقيق مجموعة من الأهداف التنظيمية والإدارية المهمة.
ومن أبرز أهداف اللائحة رفع كفاءة الأداء الحكومي، واستقطاب الكفاءات الوطنية المؤهلة، وربط الترقية والعلاوات بمستوى الأداء الفعلي بدلاً من الاعتماد على الأقدمية فقط.
كما تسعى اللائحة إلى توفير بيئة عمل عادلة وآمنة، وتعزيز الشفافية والحوكمة داخل الجهات الحكومية، ورفع مستوى رضا الموظفين، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين.
كذلك تهدف إلى دعم التحول الرقمي، وتقليل الإجراءات التقليدية، وتوحيد المرجعية التنظيمية للموارد البشرية في القطاع الحكومي.
وتُطبق اللائحة التنفيذية للموارد البشرية على جميع الجهات الحكومية المدنية داخل المملكة، بما يشمل الوزارات، والهيئات، والمؤسسات العامة، والأجهزة الحكومية المشمولة بنظام الخدمة المدنية.
كما تسري أحكامها على الموظفين المدنيين السعوديين العاملين في القطاع الحكومي، إضافة إلى غير السعوديين المعينين وفق الضوابط النظامية المعتمدة.
وفي المقابل، لا تسري اللائحة على القطاعات العسكرية والأمنية التي تخضع لأنظمة خاصة، كما لا تشمل العاملين في شركات القطاع الحكومي التجارية الخاضعة لنظام العمل.
وتشمل اللائحة نطاقًا واسعًا من الجهات والأفراد المرتبطين بالوظيفة الحكومية، ومن أبرزهم: الموظفون الحكوميون في مختلف السلالم الوظيفية، والوزارات والهيئات الحكومية، وإدارات الموارد البشرية، والقيادات الإدارية، ولجان التقييم والترقيات، والمتدربون والمبتعثون.
كما تشمل اللائحة الجهات الرقابية والإشرافية المرتبطة بمتابعة الأداء والانضباط الوظيفي، إضافة إلى الموظفين العاملين بنظام الدوام الكامل أو المرن أو العمل عن بُعد، وفق الضوابط المحددة داخل اللائحة.
الحقوق والالتزامات التي تنص عليها اللائحة
كفلت اللائحة عددًا كبيرًا من الحقوق الوظيفية والمالية والمهنية للموظفين الحكوميين، بهدف تعزيز الاستقرار الوظيفي ورفع جودة بيئة العمل.
ومن أبرز الحقوق التي نصت عليها اللائحة الحق في الراتب الأساسي والعلاوات السنوية والبدلات المالية المختلفة، إضافة إلى الإجازات السنوية والمرضية وإجازات الأمومة والحج والابتعاث والتدريب.
ومنحت الموظف الحق في التدريب والتطوير المهني، والاطلاع على تقييم الأداء والاعتراض عليه، إلى جانب الحماية من القرارات التعسفية، وضمان حق التظلم والاعتراض أمام الجهات المختصة، كما شددت اللائحة كذلك على أهمية توفير بيئة عمل عادلة وآمنة وصحية، تضمن احترام الموظف وعدم التمييز بين العاملين.
في المقابل، فرضت اللائحة مجموعة من الالتزامات المهنية والسلوكية التي يجب على الموظف الالتزام بها أثناء أداء عمله.
ومن أبرز هذه الالتزامات الانضباط في الحضور والانصراف، والالتزام بساعات العمل الرسمية، والمحافظة على أسرار العمل والمعلومات الوظيفية، وعدم استغلال النفوذ الوظيفي لتحقيق مصالح شخصية.
كما ألزمت الموظف باحترام الأنظمة والتعليمات، والتعامل المهني مع الزملاء والمراجعين، والمحافظة على سمعة الجهة الحكومية، وتجنب تعارض المصالح والإفصاح عن أي مصالح تجارية قد تتعارض مع طبيعة عمله.
آلية تطبيق اللائحة
تعتمد اللائحة على منظومة إدارية وتنظيمية متكاملة تبدأ من مرحلة التخطيط الوظيفي وحتى إنهاء الخدمة.
وتبدأ الإجراءات بتحديد الجهات الحكومية لاحتياجاتها الوظيفية ضمن خطط الموارد البشرية السنوية، ثم الإعلان عن الوظائف واستقبال الطلبات عبر المنصات الإلكترونية المعتمدة، بعد ذلك تُجرى عمليات الفرز والمقابلات والاختبارات وفق معايير موضوعية، ليتم اختيار المرشحين الأكثر كفاءة.
أما في جانب الأداء الوظيفي، فتخضع عملية التقييم لآليات دورية تعتمد على قياس الإنتاجية والكفاءة وتحقيق الأهداف، وترتبط نتائج التقييم بالترقيات والعلاوات والمكافآت، كما تُلزم اللائحة الجهات الحكومية بإعداد خطط تدريبية مستمرة لتطوير الموظفين، مع التوسع في تطبيق الأنظمة الإلكترونية لإدارة الحضور والإجازات والتقييم والتظلمات.
المخالفات والعقوبات في اللائحة
أولت اللائحة التنفيذية للموارد البشرية في الخدمة المدنية جانب الانضباط الوظيفي أهمية كبيرة، من خلال وضع منظومة تأديبية متدرجة تهدف إلى تعزيز الالتزام بالواجبات الوظيفية وضمان سير العمل بكفاءة داخل الجهات الحكومية. وتستند هذه المنظومة إلى مبدأ التدرج في العقوبة بما يتناسب مع طبيعة المخالفة وآثارها، مع مراعاة تحقيق العدالة وحفظ حقوق الموظف والجهة الحكومية في آن واحد.
وتبدأ الإجراءات التأديبية بالعقوبات الأخف في المخالفات البسيطة، مثل التنبيه الشفهي أو الإنذار الكتابي، ثم تتدرج إلى الخصم من الراتب وتأجيل العلاوة السنوية أو الترقية لفترة محددة. وفي الحالات الأكثر جسامة، قد تصل العقوبات إلى خفض الراتب أو الحرمان من بعض المزايا الوظيفية، وصولاً إلى إنهاء الخدمة إذا ارتبطت المخالفة بإخلال جسيم بالواجبات الوظيفية أو فقدان أحد شروط الاستمرار في الوظيفة العامة.
وشملت اللائحة عدداً من المخالفات التي تستوجب المساءلة التأديبية، من أبرزها التأخر المتكرر عن الدوام الرسمي، والغياب دون عذر مشروع، والإهمال أو التقصير في أداء المهام الوظيفية، واستغلال النفوذ الوظيفي لتحقيق مصالح شخصية، وإفشاء المعلومات أو الوثائق السرية، إضافة إلى التزوير والرشوة والجرائم المخلة بالشرف والأمانة وما في حكمها من مخالفات تؤثر على نزاهة الوظيفة العامة وثقة المجتمع في المرافق الحكومية.
كما شددت اللائحة على أهمية الالتزام بالدوام الرسمي، حيث نصت المادة “226” على إنهاء خدمة الموظف إذا انقطع عن العمل دون عذر مشروع لمدة 15 يوماً متصلة، أو 30 يوماً متفرقة خلال السنة الواحدة، وذلك بعد استكمال الإجراءات النظامية المقررة، ويأتي هذا النص في إطار تعزيز الانضباط الوظيفي والحد من حالات الغياب غير المبرر التي قد تؤثر على استمرارية الخدمات الحكومية وجودة الأداء المؤسسي.
وتعكس هذه الأحكام حرص اللائحة على تحقيق التوازن بين منح الموظف حقوقه الوظيفية كاملة، وضمان التزامه بالمسؤوليات والواجبات الموكلة إليه، بما يسهم في رفع كفاءة الجهاز الحكومي وتعزيز مبادئ النزاهة والمساءلة والحوكمة في بيئة العمل.
الأسئلة الشائعة حول اللائحة التنفيذية للموارد البشرية
هل يحق للموظف الحكومي العمل في جهة أخرى؟
لا يُسمح غالبًا بالعمل في جهة أخرى دون موافقة رسمية مسبقة، لأن ذلك قد يُعد مخالفة تتعلق بتعارض المصالح أو الإخلال بالواجبات الوظيفية.
هل يحق للموظف الاعتراض على تقييم الأداء؟
نعم، تمنح اللائحة الموظف الحق في الاطلاع على تقييمه الوظيفي وتقديم اعتراض رسمي خلال المدة المحددة نظامًا.
هل يُحتسب الابتعاث ضِمن سنوات الخدمة؟
نعم، إذا كان الابتعاث رسميًا ومعتمدًا من الجهة الحكومية فإنه يُحتسب ضمن سنوات الخدمة لأغراض التقاعد والترقيات.
هل توفر اللائحة حماية من الفصل التعسفي؟
نعم، إذ أتاحت اللائحة للموظف حق التظلم والاعتراض على القرارات الإدارية، مع وجود إجراءات نظامية تضمن العدالة الوظيفية.



